فصل: قال بيان الحق الغزنوي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الصابوني:

سورة المنافقون مدنية وآياتها إحدى عشرة آية.
بين يدي السورة:
* سورة المنافقون مدنية، شأنها شأن سائر السور المدنية، التي تعالج التشريعات والأحكام، وتتحدث عن الإسلام من زاويته العملية وهي القضايا التشريعية.
* والمحور الذي تدور عليه السورة الكريمة، هو الحديث بإسهاب عن (النفاق والمنافقين)، حتى سميت السورة بهذا الاسم الفاضح، الكاشف لأستار النفاق (سورة المنافقون) لبيان عظيم خطرهم، وجسيم ضررهم.
* تناولت السورة الكريمة في البدء أخلاق المنافقين، وصفاتهم الذميمة التي من أظهرها الكذب، ومخالفة الظاهر للباطن، فإنهم يقولون بألسنتهم، ما لا تعتقده قلوبهم، ثم تآمرهم على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين، وقد فضحتهم السورة وكشفت عن مخازيهم وإجرامهم، فهم بتظاهرهم بالإسلام يصدون الناس عن دين الله، وينالون من دعوة الإسلام، ما لا يناله الكافر المعلن لكفره، ولذلك كان خطرهم أعظم، وضررهم أكبر وأجسم {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا} ولهذا بدأت السورة بالكشف عن أستارهم، قال الله تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} الآيات.
* كما تحدثت السورة الكريمة عن مقالاتهم الشنيعة في حق الرسول صلى الله عليه وسلم، واعتقادهم بأن دعوته ستضمحل وتتلاشى، وأنهم بعد عودتهم من (غزوة بني المصطلق) سيطردون الرسول والمؤمنين من المدينة المنورة، إلى غير ما هنالك من أقوال فظيعة وشنيعة {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} الآيات.
* وختمت السورة الكريمة بتحذير المؤمنين من أن ينشغلوا بزينة الدنيا ولهوها ومتاعها، عن طاعة الله وعبادته شأن المنافقين، وبينت أن ذلك طريق الخسران، وأمرت بالإنفاق في سبيل الله، ابتغاء مرضاة الله، قبل أن يفوت الأوان بانتهاء الأجل، فيتحسر الإنسان ويندم، حيث لا تنفع الحسرة والندم {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله..} إلى نهاية السورة الكريمة. اهـ.

.قال أبو عمرو الداني:

سورة المنافقين مدنية.
وقد ذكرت نظيرتها في جميع العدد.
وكلمها مئة وثمانون كلمة ككلم الجمعة.
وحروفها سبع مائة وستة وسبعون حرفا.
وهي إحدى عشرة آية في جميع العدد ليس فيها اختلاف.
وفيها مما يشبه الفواصل موضع واحد وهو قوله تعالى: {إلى أجل قريب}.

.ورؤوس الآي:

{لكاذبون}.
1- {يعملون}.
2- {لا يفقهون}.
3- {يؤفكون}.
4- {مستكبرون}.
5- {الفاسقين}.
6- {لا يفقهون}.
7- {لا يعلمون}.
8- {الخاسرون}.
9- {الصالحين}.
10- {تعملون}. اهـ.

.فصل في معاني السورة كاملة:

.قال المراغي:

سورة المنافقون:
المنافق: من يظهر الإيمان ويبطن الكفر، {جنّة}: أي وقاية وسترا لدمائهم وأموالهم، {آمنوا}: أي بألسنتهم، {كفروا}: أي بقلوبهم، {طبع}: أي ختم عليها كما يختم بالطابع على ما يراد حفظه حتى لا يؤخذ منه شيء، {لا يفقهون}: أي لا يعلمون، {تعجبك أجسامهم}: أي لصباحتها وتناسب أعضائها، {تسمع لقولهم}: أي لفصاحتهم وحسن حديثهم، {خشب}: واحدها خشباء وهى الخشبة التي نخرج جوفها، و{الصيحة}: الصوت، {قاتلهم اللّه}: أي لعنهم وطردهم من رحمته، {يؤفكون} أي يصرفون عما هم عليه.
{لوّوا رءوسهم}: أي حوّلوها استهزاء، {يصدون}: أي يعرضون عن القائل، {الفاسقين}: أي الخارجين من طاعة اللّه وطاعة الرسول، المنهمكين في أنواع الشرور والآثام، {حتى ينفضّوا}: أي حتى يتفرقوا، {خزائن السموات والأرض}: أي خزائن الأرزاق فيهما، {لا يفقهون}: أي لا يعلمون علما صادرا عن إدراك لجلال اللّه وقدرته، و{الأعزّ}: أي المنافقون، و{الأذل} في زعمهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وصحبه، و{العزة}: الغلبة والنصر.
{لا تلهكم}: أي لا تشغلكم، و{ذكر اللّه}: العبادات المذكرة به، والمال والأولاد يراد بها زخرف الدنيا، الخاسرون في تجارتهم: إذ باعوا العظيم بالحقير، {لولا}: كلمة تفيد تمنى حصول ما بعدها. اهـ.. باختصار.

.قال الفراء:

سورة المنافقون:
{إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قالواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}
قوله عز وجل: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ...}.
يقول القائل: قد شهدوا للنبى صلى الله عليه، فقالوا: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} فكيف كذَّبهم الله؟.
يقال: إنما أكذبَ ضميرهم؛ لأنهم أضمروا النفاق، فكما لم يَقبل إيمانهم وقد أظهروه، فكذلك جعلهم كاذبين؛ لأنهم أضمروا غير ما أظهروا.
{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقولواْ تَسْمَعْ لِقولهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}
وقوله: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ...}.
من العرب من يجزم بإذا، فيقول: إذا تقم أقمْ، أنشدنى بعضهم:
وإذا نطاوِعْ أمرَ سادتِنا ** لا يَثْنِنا جُبن ولا بُخْلُ

وقال آخر:
واستغْنِ ما أغناك ربُّك بالغِنى ** وإذا تُصبْك خصاصةٌ فتجمَّل

وأكثر الكلام فيها الرفع؛ لأنها تكون في مذهب الصفة، ألا ترى أنك تقول: الرُّطب إذا اشتد الحر، تريد في ذلك الوقت. فلما كانت في موضع صفة كانت صلة للفعل الذي يكون قبلها، أو بعد الذي يليها، كذلك قال الشاعر:
وإذا تكون شديدةٌ أُدْعَى لها ** وإذا يحاسُ الحَيْسُ يُدْعَى جُندُبُ

وقوله: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ...}.
خفف الأعمش، وثقل إسماعيل بن جعفر المدنى عن أصحابه وعاصم، فمن ثقل فكأنه جمع خشبة خِشابا، ثم جمعه فثقل، كما قال: ثمار وثُمُرٌ. وإن شئت جمعته، وهو خشبة على خُشُب، فخففت وثقلت، كما قالوا: البدَنة، والبُدُن والبُدْن، والأَكُم والأَُكُم.
والعرب تجمع بعض ما هو على صورة خشبة أرى على فُعْل؛ من ذلك: أجمة وأُجْم، وبَدَنة وبُدْن، وأكَمة وأُكْم.
ومن ذلك (من) المعتل: ساحة وسُوح، وساق وسُوق، وعانة وعُون، ولابة ولُوب، وقارة وقور، وحياة وحى، قال العجاج:
ولو ترى إذ الحياة حِىّ

وكان ينبغى أن يكون: حُوى، فكسر أولها لئلا تتبدل الياء واوا، كما قالوا: بيض وعِين.
وقوله: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ...}.
جبنا وخوفا، ثم قال: {هم العدو}، ولم يقل: هم الأعداء، وكل ذلك صواب.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ}
وقوله: {لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ...}.
حركوها استهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم ودعائه. وقرأ بعض أهل المدينة: {لَوَوْا رءوسهم} بالتخفيف.
{هُمُ الَّذِينَ يَقولونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَاكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ يَقولونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَاكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}
وقوله: {هُمُ الَّذِينَ يَقولونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ...}.
كان النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة من غزواته، فالتقى رجل من المسلمين يقال له: جِعال وآخر من المنافقين على الماء فازدحما عليه، فلطمه جعال، فأبصره عبد الله بن أبى، فغضب، وقال: ما أدخلْنا هؤلاء القوم دارنا إلاّ لنُلطمَ ما لهم؟ وكلهم الله إلى جعال، وذوى جعال!، ثم قال: إنكم لم منعتم أصحاب هذا الرجل الطعام لتفرقوا عنه، وانفضوا، فذلك قوله: {هُمُ الَّذِينَ يَقولونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ...} ثم قال عبد الله بن أبى: {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ} وسمعها زيد بن أرقم، فأخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ...}، ويجوز في القراءة: {لَيُخْرَجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ} كأنك قلت: ليخرجن العزيز منها ذليلا، قرأ بعضهم: {لنُخْرِجَن الأعزَّ منها الأذل} أى: لنخِرجن الأعزَّ في نفسه ذليلا.
{وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقول رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ}
وقوله: {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ...}.
يقال: كيف جزم {وأكن}، وهى مردودة على فعل منصوب؟
فالجواب في ذلك أن- الفاء- لو لم تكن في أصدق كانت مجزومة، فلما رددت {وأكنْ}،- ردّت على تأويل الفعل لو لم تكن فيه الفاء، ومَن أثبت الواو ردَّه على الفعل الظاهر فنصبه، وهى في قراءة عبد الله، {وأكونَ من الصالحين}.
وَقد يجوز نصبها في قراءتنا، وإن لم تكن فيها الواو؛ لأن العربَ قد تسقط الواو في بعض الهجاء، كما أسقطوا الألف من سليمن وأشباهه، ورأيت في بعض مصاحف عبد الله: فقولا: فقلا بغير واو. اهـ.

.قال بيان الحق الغزنوي:

سورة المنافقون:
{كأنهم خشب مسندة} [4] أي: في طول قوامهم كخشب أسندت إلى الجدار. وقيل: بل في سكوتهم عن الحق وجمودهم عن الهدى.
قال الثعالبي في تفسيره: أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا أحلام. وفي معناه:
أضحت قبورهم من بعد عزهم ** تسفي عليها الصبا والحرجف الشمل

لا يدفعون هوامًا عن وجوههم ** كأنهم خشب بالقاع منجدل

{يحسبون كل صيحة عليهم} [4] أي: لجبنهم وخوفهم. وقول جرير فيه لما سمعه الأخطل:
حملت عليك حماة قيس خيلها ** شعثًا عوابس تحمل الأبطالا

ما زلت تحسب كل شيء بعدهم ** خيلًا تكر عليكم ورجالا

فقال: أخذها من كتابهم: {يحسبون كل صيحة عليهم}
وقريب من هذا قول متمم بن نويرة في أخيه:
وقالوا أتبكي كل قبر رأيته ** لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك

فقلت لهم: إن الأسى يبعث الأسى ** دعوني فهذا كله قبر مالك

{فأصدق وأكن} [10]
وأكن عطف على موضع {فأصدق}، وهو مجزوم لولا الفاء، لأن قوله: {لولا أخرتني} بمنزلة الأمر، لأن {لولا}: للتحضيض، فتضمن معنى الشرط، أي: فأخرني إلى أجل قريب أصدق.
تمت سورة المنافقون. اهـ.